الجصاص

394

أحكام القرآن

الحديث ، فإن صح هذا اللفظ فإنما أخذه الراوي من حديث سهل وظن أن هذه العبارة مبينة عما في حديث سهل ، ولو صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفد نفي النكاح بعد زوال حكم اللعان على النحو الذي بينا ، وأما قوله : " لا سبيل لك عليها " فإنه لا يفيد تحريم النكاح وإنما هو إخبار بوقوع الفرقة ، لأنه لا يصح إطلاق القول بأنه لا سبيل لأحد على الأجنبيات ولا يفيد ذلك تحريم العقد . فإن قيل : قوله : " لا سبيل لك عليها " ينفي جواز العقد ، إذ كان جوازه يوجب أن يكون له عليها سبيل . قيل له : ليس كذلك ، لأنا قد نقول لا سبيل لك على الأجنبية ولا نريد به أنه لا يجوز له تزويجها فيصير لك عليها سبيل بالتزويج ، وإنما نريد أنه لا يملك بضعها في الحال ، فإذا تزوجها فإنما صار له عليها سبيل برضاها وعقدها ، ألا ترى أن قوله : ( ما على المحسنين من سبيل ) [ التوبة : 91 ] لم يمنع أن يصير عليهم سبيل في العقود المقتضية لإثبات الحقوق والسبيل عليه برضاه ؟ فكذلك قوله : " لا سبيل لك عليها " إنما أفاد أنه لا سبيل لك عليها إلا برضاها . فصل قال أبو بكر : واتفق أهل العلم أن الولد قد ينفى من الزوج باللعان ، وقد ذكرنا حديث ابن عمر وابن عباس في إلحاق الولد بالأم وقطع نسبه من الأب باللعان نصا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وحكي عن بعض من شذ أنه للزوج ولا ينتفي نسبه باللعان ، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : " الولد للفراش " ، والذي قال : " الولد للفراش " هو الذي حكم بقطع النسب من الزوج باللعان ، وليست الأخبار المروية في ذلك بدون ما روي في أن الولد للفراش ، فثبت أن معنى قوله : " الولد للفراش " أنه لم ينتف باللعان . وأيضا فلما بطل ما كان أهل الجاهلية عليه من استلحاق النسب بالزنا ، كما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا عنبسة بن خالد قال : حدثني يونس بن يزيد قال : قال محمد بن مسلم بن شهاب : أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها ، ونكاح آخر : كان الرجل يقول لامرأته : " إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه " ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه ، فإذا تبين حملها أصابها وجها إن أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع ، ونكاح آخر : يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم